الجمعة، 19 يناير 2018

زعيمان عربيان في "ورطة" بسبب زيارة نائب ترامب للشرق الأوسط.. المعونات الأميركية أم القدس؟

تمثل الزيارة المرتقبة لنائب الرئيس الأميركي مايك بنس للشرق الأوسط "ورطة" لزعيمين عربيين، بسبب موقف بلادهما الشعبي من القدس في الوقت الذي لا تريد الدولتان إغضاب الولايات المتحدة كونها مصدر معوناتهما الأول.
وبحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية الخميس 18 يناير/كانون الثاني 2018 فإن زيارة بنس تشكل مأزقاً لمُستضيفَيه العربيَّين - الرئيس المصري وملك الأردن - في ما يتعلَّق بكيفية حماية علاقاتهما الحيوية مع واشنطن دون أن يظهرا وكأنهما يتجاهلان الشكوك الفلسطينية.
ويعتمد كلا البلدين، مصر والأردن، اعتماداً كبيراً على المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية، وتتيح المحادثات مع مسؤول كبير في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مثل بنس لهما فرصةً لتعزيز تلك العلاقات.
وبحسب الصحيفة الأميركية يُعد هذا أمراً صعباً بالنظر إلى أنَّ بنس يزور الشرق الأوسط في وقتٍ تتزايد فيه المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وهي التي أثارها اعتراف الرئيس دونالد ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل.
وحذَّر عمرو موسى، وهو رجلُ دولة قديم في مصر، القادة العرب من تغيير هدفهم طويل المدى: وهو دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وفي مقالٍ صارخ نُشر مؤخراً، حذَّرَ وزير الخارجية السابق ورئيس الجامعة العربية من أنَّ تقديم تنازلات حول القضية الفلسطينية سيكون "خطأً استراتيجياً كبيراً"، بحسب الصحيفة الأميركية.
وقد أظهر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي سبَّ ترامب علناً ​إثر قراره بشأن القدس، مدى عمق الفجوة بينه وبين الولايات المتحدة بعد قرار ترامب. وفي كلمته أمام مؤتمر القاهرة يوم الأربعاء، 17 يناير/كانون الثاني، كرَّرَ أنَّ واشنطن تخلَّت عن دورها كوسيطِ سلامٍ أمين. وأضاف: أنَّ "القدس ستكون بوابةً للسلام إن صارت عاصمة فلسطين فقط، وستكون بوابة حرب، وخوف، وغياب أمن واستقرار، لا سمح الله، إنَّ لم تكن كذلك".
تأجيل الزيارة من قبل
وكان من المُقرَّر أن يزور بنس المنطقة في منتصف ديسمبر/كانون الأول، ولكن أُعيدَت جدولة موعد الزيارة مع التحوُّل الجوهري لسياسية ترامب إزاء القدس قبل الزيارة بأيامٍ قليلة، وهو الأمر الذي أثار إدانةً عربية واحتجاجاتٍ على مستوى المنطقة.
وفي ذلك الوقت، قال عباس إنَّه لن يستضيف بنس في مدينة بيت لحم، كما كان مُخطَّطاً في الأصل، كما ألغى الزعيمان الدينيان للمسلمين والمسيحيين الأرثوذكس في مصر، الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا تواضروس الثاني، أيضاً اجتماعاتهما معه.
وقد تصاعدت الأزمة الأميركية الفلسطينية منذ ذلك الحين، مع مهاجمة عباس علناً لترامب هذا الأسبوع حول ما يخشى أنَّه خطةٌ أميركيةٌ ناشئة لإقامة دولة فلسطينية صغيرة في بعض الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وبدون أن يكون لفلسطين موطئُ قدمٍ في القدس.
وفي الوقت نفسه، قالت إدارة ترامب يوم الثلاثاء، 16 يناير/كانون الثاني، إنَّها خفضت بشكلٍ كبير التمويل الذي تُقدِّمه لوكالة مساعدات تابعة للأمم المتحدة تخدم الملايين من اللاجئين الفلسطينيين وأولادهم، ووجَّهَت اللوم إلى الفلسطينيين لعدم إحراز تقدُّمٍ في جهود السلام في الشرق الأوسط، بحسب الصحيفة الأميركية.
وطمأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الأربعاء نظيره الفلسطيني عباس بشأن جهود القاهرة المستمرة لتأمين إقامة دولة فلسطينية مُستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وذلك وفقاً لما ورد في بيان المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، باسم راضي. وقد يكون ذلك قد خُصِّص جزئياً لتخفيف حدة تداعيات تقرير صحيفة النيويورك تايمز الأميركية الأسبوع الماضي الذي زعم أنَّه في حين كانت مصر تدين علناً ​​قرار ترامب بشأن القدس، فقد أيَّدَت هذه الخطوة في الخفاء.
وقد ناشد السيسي ترامب مراراً أن يشارك بشكلٍ أكبر في الصراع ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شبه جزيرة سيناء المصرية، فإنَّ الجنرال الذي أصبحَ رئيساً سيُظهِر استعداداً ضئيلاً للسماح لأي شيء بتقليل ما يعتبره تحالفاً استراتيجياً مع واشنطن.
وفي عبارةٍ واقعية، قال أحمد المجدلاني مُساعد الرئيس الفلسطيني عباس إنَّ الفلسطينيين لم يكونوا يتوقعون أن تحذو الدول العربية حذوها في ردها القوي على قرار ترامب بشأن القدس. وفي الوقت نفسه، أوضح أنَّهم لا يعتقدون أنَّ إدارة ترامب ستفوز بأي دعم لأي خطة سلام تضعف العلاقات العربية بالقدس.
معضلة الأردن
ومع ذلك، يواجه ملك الأردن معضلةً خاصة، مع تدهور العلاقات الأميركية الفلسطينية. ويُشكِّل الفلسطينيون شريحةً كبيرة من سكان بلاده.
وتستمد سلالة الهاشمي شرعيتها السياسية بشكلٍ كبير من دورها التاريخي بكونها أميناً على المسجد الأقصى، والذي يُعد ثالث أقدس موقع في الإسلام. وأي تهديدات مُتصوَّرة لانتماء المدينة إلى المسلمين، مثل تحوُّل ترامب بشأن القدس، تُقوِّض دورها الحيوي هناك، بحسب الصحيفة الأميركية.
وعلى مرِّ السنين، حاول الملك عبد الله تخفيف المعارضة الداخلية المستمرة لمعاهدة السلام الأردنية مع إسرائيل، التي عقدها والده في عام 1994، وذلك جزئياً من خلال تقديم خدماته كوسيطٍ نيابةً عن الفلسطينيين، في التعاملات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ويأتي اجتماع بنس مع الملك عبد الله يوم الأحد، 21 يناير/كانون الثاني، عقب سلسلةٍ من الاحتجاجات المُعادية للولايات المتحدة في المملكة الأردنية، والتي نظَّمَ الإسلاميون بعضها.
وقال موسى شتيوي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، إنَّ عمان لا تستطيع أنَّ تبتعد عن الولايات المتحدة، ولكن بنس بحاجةٍ إلى "الاستماع بعناية" إلى ما يقوله حلفاء الولايات المتحدة حول الخطر الذي ينطوي عليه قرار ترامب بشأن القدس.
وتلقَّت الأردن 1.5 مليار دولار في عام 2015، و1.6 مليار دولار في العام الماضي، 2017، من المساعدات الأميركية، والتي تُمنَح إليها جزئياً من أجل تمويل المساعدات الإنسانية ومساعدة الأردن على تحمُّلِ عبء استضافة مئات الآلاف من اللاجئين من سوريا والعراق.
وتستعد الأردن، مع اقتصادها الذي يشهد تدهوراً وارتفاع نسب البطالة فيها، لتداعيات خفض التمويل الأميركي للوكالة الأمم المتحدة التي قدَّمَت لمدة عقود خدمات التعليم، والصحة، والرعاية لحوالي 5 ملايين لاجئ فلسطيني وأولادهم في المنطقة، بحسب الصحيفة الأميركية.
وفي المقابل، قد يتوقَّع بنس ترحيباً حاراً في إسرائيل، التي من أكبر مؤيدي إدارة ترامب على الساحة الدولية. وقد اعتمد ترامب سلسلة من القرارات التي اعتُبِرَت متعاطفةً معها، مُبعداً نفسه عن حل الدولتين الذي يُفضِّله المجتمع الدولي، مُعرِباً عن معارضةٍ ضئيلة لبناء المستوطنات، ومؤخراً، اعترف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.
وستبرز زيارة بنس من خلال خطاب يُوجِّهه إلى الكنيست الإسرائيلي، أو البرلمان، وهو شرفٌ نادراً ما يُمنَح للشخصيات الزائرة. وعندما اعترف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، أصرَّ على أنَّ هذا لن يحول دون المطالب الفلسطينية أو حدود المدينة المستقبلية. بيد أنَّ زيارة بنس، وخاصةً إذا كان يشير إلى المنطقة على أنَّها إسرائيلية، ستُعمِّق الشكوك الفلسطينية بأنَّ ترامب أخذ صف إسرائيل في أكثر القضايا حساسيةً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ليست هناك تعليقات